محمد طاهر الكردي

442

التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم

فهذا الخبر يدل على مقدار ما كان للقضاة من الحرية في اختيار الآراء التي يقضون بها ، وأحيانا يطلبون من الخلفاء بيان آرائهم في الحوادث المختلفة إذا اشتبه عليهم الأمر فيها ، كما كتب عياض بن عبيد اللّه الأزدي قاضي مصر من قبل عمر بن عبد العزيز إليه يسأله في أمر الشفعة وأن سلفه كانوا يقضون فيها للأول فالأول من الجيران فكتب إليه أن يجعلها للشريك وحده . وقال : فإذا وقعت الحدود بين أهل الشرك في الميراث أو غيره ، وضربت مداخل الناس التي يدخلون منها دورهم وأرضهم فقد انقضت الشفعة . وبذلك كانت الأحكام تخالف بعضها بعضا في الأمصار المختلفة لأن المجتهدين لم يكونوا على رأي واحد ولم تلتفت الدولة إلى التفكير فيما يجمع كلمة المجتهدين على شيء يقضي به قضاتهم ، أو يحمل مجتهدي كل مصر على عمل ما يصلح لذلك المصر ، مستمدين من أصول الدين لم يفعلوا هذا ولا ذاك بل تركوا لكل قاض تمام حريته في الحكم بما يراه . وكان يضاف إلى القضاء مراقبة أموال اليتامى ، وأول قاض نظر فيها عبد الرحمن بن معاوية بن خديج قاضي مصر من قبل عبد العزيز بن مروان فإنه ضمن عريف كل قوم أموال يتامى تلك القبيلة وكتب بذلك كتابا ، وكان عنده وقال الكندي : فجرى الأمر على ذلك . وكانوا يتولون الأحباس ، وأول قاض بمصر وضع يده على الأحباس توبة بن نمر في زمن هشام بن عبد الملك وإنما كانت الأحباس في أيدي أهلها وفي أيدي أوصيائهم فلما كان توبة قال : ما أرى مرجع هذه الصدقات إلا إلى الفقراء والمساكين ، فأرى أن أضع يدي عليها ، حفظا لها من التواء والتوارث فلم يمت توبة حتى صار الأحباس ديوانا عظيما ، وكان ذلك سنة ( 118 ) أول إنشاء ديوان الأوقاف بمصر فذلك كان اختيار القضاة يرجع غالبا إلى أمراء الأمصار ، فهم الذي يعينون من يقوم بالقضاة بين الناس ، وأحيانا كانوا يولون من قبل الخلفاء أنفسهم ، وقاضي حاضرة الخلافة يختاره الخليفة ، وليس له أدنى امتياز عن سائر القضاة ولا أرى في اختيارهم ويظهر أن مرتبات القضاة لم تكن مما يحوجهم إلى مد الأيدي إلى السحت . رأيت أن عبد الرحمن بن مجيرة كان يتولى القضاء بمصر ، ومعه القصص وبيت المال فكان رزقه في السنة من القضاء مئتي دينار ، ومن القصص مئتي دينار ورزقه